(الأدب لا يستحدث من عدم)

استمرأ القوم لُكنة الملفظ و سفاهة المقال، حتى امتدت أيديهم إلى الطروس ينفثون فيها ما تصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى في الأدب. و إمّا يرَهم يسألهم “أنّى لكم هذا؟!” فلعمري ما يكون جوابهم آنئذٍ إلا “وما كانت صلاتنا لك إلا مكاء و تصدية”.، مالي أرى قوماً تسوروا محراب الأدب، وما علمناهم الفصاحة وما ينبغي لهم، إنما بلغ المين منهم نكتة سوداء في العقل فكلما زادوا عمّت حتى ران على عقولهم ما كانوا يفعلون .فالعن كل يراع غير سنين، و كل لسان ليس بمبين.و ما هم من البلاغة إلا كما قال مولانا المتنبي:-
إذا اشتبهت دموع في خدودٍ
تبيّن من بكى ممن تباكى
وزاد آخر:-
و كلٌ يدعي وصلاً بليلى
و ليلى لا تقر لهم بذاكا
و إن لهم من الحمقى المغفلين و النوكى الجاهلين تبعاً يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا. قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فلتلهج ألسنتنا بقول أحمد الزين:-
نجها رب إننا قد جعلنا
كل فن في غير من يفقهونه
كل من صاح بالنبوة فينا
قام أوس و خزرج ينصرونه
و قال الجاحظ” إذا كتب المرء عرض عقله على الناس” فاعلم أن العيّ قذى العين،و علة الحَين، و إنّا اطلعنا عليهم فأسخفنا،و اضطلعنا بالبلاغة فأشرفنا، ووعت قلوبنا أن “لا تزكوا أنفسكم” إنما رحم الله امرءاً عرف قدر نفسه، و لا خير في موازنة بين الحسام و العصا:-
ألم ترَ أن السيف يزرى بقدرهِ
إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
و الغبن مظلمة، و ذو العقل يشقى، وإنما نردد قول ابن زيدون:
ما على ظني باسُ
يجرح الدهر و ياسُ
ربما أشرف بالمرء
على الآمال ياسُ
و خاتمة القول: إن السيل قد بلغ الزبى و فار من الجهل التنور،و إني دعوت قومي ليلاً ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا، فحق القول على الظالمين أن يا رب أحصهم عددا، و اقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا.

#عبدالله_عيسى