الزفرة السادسة

في كل يوم ميلادٍ…تولد زفرة..فتكونُ قصيدةً
“الزفرة السادسة”

قد عاد بعد سكاته قوّالا
لكن بدمع بات يشكو الحالا
مسترجعاً خيطاً رفيعاً مَدّهُ
لغدٍ و أوصلهُ بماضٍ طالا
مستثقلاً ما استشرفتهُ عيونهُ
و نكاية الماضي أشد وبالا
للهِ لُبّانِ الحياةُ تراهما
بئراً فتردمَ فيهما الأهوالا
هذا فؤادٌ قرحتهُ يد الجوى
والعقل من جورٍ أحلّ عقالا
بالعام بعد العام يكوى خافقٌ
بهوى يحد بقولنا ختالا
فاسودّ بعد بياضهِ و كذا الذي
يُشوى يشابه لونهُ المكحالا
و إذا رأيت الصُلب مال إلى الثرى
فلأنّ قلبي زائدٌ أحمالا
و إذا رأيت الراس طأطأ إن فيهِ
العلوم تميده إثقالا
و طحين فكر في العقول بنقعهِ
غمّ العيونَ و أكثر الأغلالا
يعمى عن الدنيا برؤية حقها
و الدهر لا يهوى عدا الجهالا
قل ما أصابك كي تَجَرّع كأسَهُ
و قلَيت كهفاً يستجنّ ظلالا
فالآن تبصر ما الورى عنه اعتموا
هل كان إلا أن دعوهُ ضلالا(1)
لو أرجعَت عينُ البصيرة نظرةً
لرأيت آدم إثمه مازالا
هذا العنان أراه في كف المآقي(2)
و البصيرة مزعت أوصالا
فاستيأست ضعفاً و ما إن أخرسوا
زرقاءهم إلا وصرح حالا(3)
و لسوف يدرس رسمهم حكم القضاء
بذا على ما يُبتنى استعجالا
فاقبض على الامال شوكاً ساحجاً(4)
و تجرع الصبر المقيت نبالا
و اضفُر من الوكف الشريف وصيلةً
إن بَت جدُّك عن دلاه حبالا(5)
واقلب مجنك ذاك أسلم إنّ في(6)
أمن الذئاب الجائعات خبالا
لا تعجبوا أني أعايش ليلتي
و أصد عن يوم الضيا استثقالا
فالليل أسمع للأنين إذا سرى
و معاش صبحٍ ضيع الإعوالا(7)
و الليل شابه لِمتي بنجومهِ(8)
و بعمقه قد شابه العقالا
و الليل أصدق إذ تبين من الورى
عوراتهم فيبينوا الإعلالا
ترك الورى يستبصرون طريقهم
ليهيم غير العارفين عِدالا(9)
مالي و قومٍ يذهلون عن الذي
رام القصاص و عظموا علّالا(10)
و غدوتُ نوحاً فيهمُ لكن أتى
الطوفان يرفع ثلةً أرذالا
ويقول لي: قد خف وزن سفيههم
وحجاك عظّم يا فتى المثقالا
و مشيتُ في دربٍ يتيه بها الفناء
وهاب منها مطعساً و مجالا
الست و العشرون ها قد ودعت
و الدهر يحصد بالقلوب غلالا
يقتات منها كلما جن الثرى
و بها يشيد من الفخار جبالا
أما السماء فكم بكت فوق الثرى
هذي النفوس، و كم رثت أجيالا
لكنها جمدت على قومي فما
تبكي السماء السفلة الأنذالا
لم تحيِ شكوى هامعٍ قوماً فنت
أرواحهم، أو تعمر الأطلالا
و الجهل يغتال النفوس و إن مشت
أجسادها، ليس الحياة نعالا
عام مضى قد مسني ضراً و
أظهر من صميم القاتلات خصالا
أتراه وُكّل بي يجرب نصله؟!
فالصلب أعيى بالجلاد جمالا
و برغم ذيّاك النسيف بجانبي
ثلّمتُ من ريب الزمان نصالا(11)
فلآتينّك يا زمان بما اشتهت
نفسي و إن لم تَلقني إقبالا
و أنال بالشمم السِّماك فحاجتي(12)
عُلوٌ وليست يمنة و شمالا
وانصب لي الأهوال، أصعد فوقها
يا حبذا أن أدعس الأهوالا
و أكاد أبصر ما يخط زماننا
يمحي الكنى و يثبّت الأعمالا
فهو المطفّف بالمنال، و قبضتي(13)
في عنقه أن يستقيم مكالا(14)
هذا القميص مَخِيطهُ في مسربي(15)
و ليغدُ منزعهُ إذن قتّالا
أَ وَ أشتكي؟ كلا معاذ كرامة،
إن المجالد لا يروم دلالا
زمن المعاجز ربما ولى ولكن
ليس شيء بالغلاب محالا
فاصدح بشدوك لا تبال صياحهم
همس الحقيقة يحطم الأقفالا

#عبدالله_عيسى

1البيتان فيخما إشارة إلى كهف أفلاطون
2المآقي:العيون
3زرقاء:زرقاء اليمامة
4ساحجاً: جارحاً
5الوكف:الدمع و العرق، الوصيلة:ما يستوصل به، بت:قطع،جد:حظ،دلاه:جمع دلو دلاء وخففت الهمزة، أي فابلغ بجهدك ما منعك إياه الحظ
6قلب ظهر المجن: مثل يضرب لانقلاب الصديق عدواً و المجن الدرع
7الإعوال: العويل
8اللمة:مقدمة الشعر
9علال:الشك
10علّال: بعير كليب الذي حماه القوم حمقاً، فاستطاع جساس أن سقتل كليب
11ثلم: فلل و أضعف نصل السيف
12السماك:نجم
13المطفف: من أخسر الميزان
14المكال: الكيل
15المسرب: العرق و دمه

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s