موت اللغة، لماذا الخشية من موت لغة؟

أليس الخطاب بلغة واحدة أيسر لبلوغ المعنى؟ فما جزع اللغوين إذا ما ماتت لغة؟ وما لهم يحيون لغاتٍ قد صرم كل سبب بيننا و بينها؟
ناقش هذا الباب ديڤد كرستال في كتابه “موت اللغة language death” ليخرج في الفصل الثاني بحجج تحدونا إلى أن نعض على كل لغة موجودة بالنواجذ، و هذه الحجج سأوردها مع إضافات مني في الشرح كالتالي:
1-الحاجة إلى التعدد: تعدد اللغات هو في ذاته ميزة ترتبط بالتطور كالتعدد الأحيائي، فالتطور قائم على الاختلاف و الجدلية بين المختلفات التي تنتج جديداً من هذا الصراع. ينضاف إلى ذلك حقيقة أن التعدد اللغوي كفيل بخلق عديدِ صورٍ لحمل المعنى ما يوفر عرضاً أقرب من الآخر للمعنى المطلوب.
2-اللغة هوية: اللغة تتشكل نتيجة تراكمات ثقافية تحملها اللغة فتخلق على شكل أدوات صوتية توصل المعنى. و نظرية لاكوف في المجاز المعرفي “The Cognitive Theory of Metaphor ” خير دليل على احتمال اللغة ثقافة المجتمع المرتبطة به، حيث تتملك اللغة مجازات لا وعيوية، مثال ذلك في الإنگليزية (الحب رحلة) و في العربية (الحب سبب موت). [راجع مقال لنا سابق في المجازات التي نحيا بها].
3-اللغة خزينة تاريخية: إتباعاً للنقطة السابقة، فإن اللغة بما تحمله من تعبيرات و صيغ ثابتة و تراكيب و مجازات، حاوية أحداثاً تاريخية أثرت على اللغة حتى غدت جزءاً منها، تحفظه اللغة بقدر ما أثر بها،و الأمثال خير دليل على ذلك.
4-للغات سهم في بناء المعرفة الإنسانية: اللغة ابنة عالمها لذلك فهي تحمل علماً لا تحمله لغة أخرى، و انظر إلى ما حاجج به كريستال عزواً إلى إيڤان حيث وجد في اللغات الأسترالية الأصلية مصطلحات لكائنات لم يصغ اصطلاحها و لم يعلم وجودها إلا في الستينات من القرن. ثم قارن ذلك بانقراض لغة و أثر ذلك على الثقافة، فلو لم توجد العربية لما وجد الشعر الفارسي ذو الوزن و القافية، ولو لم توجد الإنگليزية لما وجد شيكسبير..إلخ.
5-اللغات في ذاتها مهمة:ما نعنيه هنا هو أن في اللغات ما يثير الاهتمام من تباين قد يوحي إلينا بما يفتق رتقَ آفاقٍ جديدة، فمن الأمثلة التي يسوقها كريستال من الناحية البنائية، أن في بعض اللغات(نونغوبويو، أسترالية) يمكنك بضمير واحد التمييز بين مخاطبين ذكرين أو أنثيين، وهو ما نستخدم له “نحن”، بل يمكن أن تمايز بين المتكلم إذا وعى المخاطب أو استثناه(لغة توك بيسين، بابوا غينيا الجديدة).
و من الناحية الصوتية هناك أصوات نقرية لم يكن الإنسان في الشرق الأوسط و أوربا ليعرف أنها تستخدم للتواصل من قبل الإنسان لولا اكتشافها في جنوب آسيا و أفريقيا، و عليه فإنه العلماء استشرفوا آفاقاً جديدة لسبل التواصل و إمكانات الحنجرة البشرية، و العقل البشري.

ختام القول هو أن الاستهانة بأي لغة أو بانقراضها ليس إلا سفهاً و عماء بصيرة عن وبال مصيبة كتلك. فاللغات ليست سبل تواصل و قط، بل في كلٍ منها أمة من الدنيا تحفظها بوعاء مكنون.

One thought on “موت اللغة، لماذا الخشية من موت لغة؟

  1. بالفعل
    وأظن “وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا” تحقيقا لمعنى استمرار الاختلاف
    فغالبًا التعارف يقصد الاختلاف وأهمه اختلاف اللغة.
    مدونة غنية، سررت بالقراءة هنا

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s